حسن بن عبد الله السيرافي
310
شرح كتاب سيبويه
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " 1 " فثنّاه على المعنى . وكذلك الحكم في " ما " ، تقول : " ما نتج من نوقك " و " ما نتجت من نوقك " و " ما نتجن من نوقك " ، فإذا قلت : " ما نتج من نوقك " فهو على لفظ ( ما ) فإذا قلت : " ما نتجت " فهو على معنى ناقة ، كأنك قلت : أية ناقة نتجت من نوقك ، وإذا قلت " ما نتجن من نوقك " فكأنه يسأله عن جماعة نتجن من نوقه ، ويقدّر اللفظ على تقدير : أيّ نوق نتجن من نوقك ، ولو كنت سائلا عن ناقتين ، ثم حملت الكلام على المعنى لقلت : ما نتجتا من نوقك . وأمام قول العرب : " ما جاءت حاجتك " ، فالأصل في " جاء " أن يكون فعلا كسائر الأفعال ، منهم من لا يجعله متعديا ، فيقول : " جاء زيد إلى عمرو " ، كما تقول : " قام زيد إلى عمرو " ومنهم من يعدّيه فيقول : " جاء زيد عمرا " كما تقول : " لقى زيد عمرا " ، ويكون الفاعل غير المفعول . فأما قول العرب : " ما جاءت حاجتك " ، فقد أجروها مجرى صارت ، وجعلوا لها اسما وخبرا وهو الاسم ، كما كان ذلك في باب كان وأخواتها ؛ فجعلوا ( ما ) مبتدأ وجعلوا في ( جاءت ) ضمير " ما " وجعلوا ذلك الضمير اسم جاءت ، وجعلوا ( حاجتك ) خبر " جاءت " فصار بمنزلة " هند كانت أختك " وأنثّوا " جاءت " لتأنيث معنى " ما " فكأنه قال : أية حاجة جاءت حاجتك ، وجعلوا " جاء " بمنزلة " صار " وإدخالها على اسم وخبر هو غير معروف إلا في هذا ، وهو من أمثال العرب ، ولم يسمع إلا بتأنيث " جاءت " وأجروه مجرى " صارت " لضرب من الشّبه بينهما ، وذلك أنك تقول : " صار زيد إلى عمر " كما تقول : " جاء زيد إلى عمرو " ؛ ففي " جاء " من الانتقال ما في " صار " ، فحملوا " ما جاءت حاجتك " في جعل الاسم والخبر له على " صار " في جعل الاسم والخبر له إذ قلت : " صار الّطين خزفا " و " صار زيد منطلقا " لما بينهما من الاشتراك في معنى الانتقال ، وإنما يقوله الرجل للرجل إذا أتاه في معنى قوله : " ما جاء بك " ويقال إن أول ما شهرت هذه الكلمة من قول الخوارج لابن عباس حين أتاهم يستدعي منهم الرجوع إلى الحقّ من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 870 ، وسيبويه 1 / 404 ، وابن يعيش 4 / 13 ، والخزانة 1 / 461 .